.jpg)
عُمران بن حصين ... شبيهُ الملائكة
بسم الله الرحمن الرحيم
شبية الملائكة
الحمد الله رب العالمين ... والصلاة والسلام علي المبعوث رحمة للعالميناليوم إن شاء الله نتكلم عن صحابي جليل ، في عام خبير ، أقبل علي رسول الله صل الله عليه وسلم مبايعاً ، ومنذ وضع يمينه في يمين الرسول أصبحت يده اليمني موضع تكريم كبير ، فآلي علي نفسه ألا يستخدمها إلا في كل عمل طيب وكريم
هذه ظاهرة تنبيء عما يتمتع به صاحبها من حس دقيق .
عمران بن حصين رضي الله عنه ، صورة رضيَّة من صور الصدق ، والذهد ، والورع ، والتفاني وحب الله وطاعته ..
وإن معه من توفيق الله ونعمة الهدي لشيئاً كثيراً ، ومع ذلك فهو لا يفتأ يبكي ، ويبكي ، ويقول " يا ليتني كُنتُ رماداً تذروه الرياح "
ذلك أن هؤلاء الرجال لم يكونوا يخافون الله بسبب ما يدركون من ذنب فقلما كانت لهم بعد إسلامهم ذنوب ، إنما كانوا يخافون ويخشونة بقدر إدراكهم لعظمته وجلاله ، وبقدر إدراكهم لحقيقة عجزهم عن شكرة وعبادته ، مهما يضرعوا ، ويركعوا ، ومهما يسجدوا ، ويعبدوا .. ولقد سأل أصحاب الرسول يوماً رسول الله صل الله عليه وسلم فقالوا : " يا رسول الله ، ما لنا إذا كُنا عندك رقت قلوبنا ، وزهدنا دنيانا ، وكأننا نري الآخرة رأي العين .. حتي إذا خرنا من عندك ، ولقينا أهلنا ، وأولادنا ، ودنيانا ، أنكرنا أنفسنا .. ؟؟ "
فأجابهم - عليه السلام - " والذي نفسي بيده ، لو تدمون علي حالكم عندي ، لصافحتكم الملائكة عياناً ، ولكن ساعة .. وساعة "
وسمع عمران بن حصين هذا الحديث .. فاشتعلت أشواقه .. وكأنما آلي علي نفسه ألا يقعد دون تلك الغاية الجليلة ولو كلّفتهُ حياته .
وكأنما آلي علي نفسه ألا يقعد دون تلك الغاية الجليلة ولو كلفته حياته ، وكأنما لم تقتنع همته بأن يحيا حياته ساعة .. وساعة .. فأراد أن تكون كلها ساعة واحدة موصولة النجوي والتّبتّل لله رب العالمين .. !!
في عهد عمر ابن الخطاب
وفي خلافة أمير المؤمنين ( عمر بن الخطاب ) أرسله الخليفة إلي البصرة ليُفقه أهلها ويعلمهم .. وفي البصرة حط رجاله ، وأقبل عليه أهلها منذ عرفوه يتبركون به ، ويستضيئون بتقواه ..قال الحسن البصري ، وابن سيرين : ( ما قدم البصرة من أصحاب رسول الله صل الله عليه وسلم أحد يَفضل عمران بن حصين )
كان عمران يرفض أن يشغله عن الله وعبادته شاغل ، استغرق في العبادة ، واستوعبته العبادة حتي صار كأنه لا ينتمي إلي عالم الدنيا التي يعيش فوق أرضها وبين ناسها ... أجل .. صار كأنه ملك يحيا بين الملائكة ، يحادثهم ويحادثونه .. ويصافحهم ويصافحونه ..
النزاع بين المسلمين وموقف عمران ابن حصين
ولما وقع النزاع الكبير بين المسلمين .. بين فريق ( علي ) وفريق ( معاوية ) ، لم يقف عمران بن حصين موقف الحيدة فحسب ، بل راح يرفع صوته بين الناس داعياً إياهم أن يكفوا عن الاشتراك في تلك الحرب ، حاضنناً قضية السلام خير مُحتضن ...
وراح يقول للناس :
( لأن أرعي أعنزاً حَضنيات في رأس جبل حتي يدركني الموت ، أحب إلي من أن أرمي في أحد الفريقين بسهم ، أخطأ ، أم أصاب ) .. وكان يوصي من يلقاه من المسلمين قائلاً : ( الزم مسجدك ..فإن دخل عليك ، فالزم بيتك .. فإن دخل عليك بيتك من يريد نفسك ومالك فقاتله )
وحقق إيمان عمران بن حصين أعظم نجاج ، حين أصابه مرض مُوجع لبث معه ثلاثين عاماً ، ما ضجر منه ولا قال : أُف ..
بل كان مثابراً علي عبادته قائماً ، وقاعداً ، وراقداً ...
وكان إذا هون عليه إخوانه وعُواده أمر علته بكلمات مشجعة ، ابتسم لهم وقال : ( إن أحب الأشياء إلي نفسي أحبها إلي الله ) !!
وكانت وصيته لأهله وإخوانه حين أدركه الموت ( إذا رجعتم من دفني ، فانحروا وأطعموا )
أجل ... لينحروا ، وليطعموا ، فموت مؤمن مثل عمران بن حصين ليس موتاً ، إنما هو حفل زفاف عظيم ، ومجيد ، تزف فيه روح عالية راضية إلي جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين ....