![]() |
أكثر ما يُدخل الناس الجنة تقوي الله وحُسنُ الخلق |
أكثر ما يُدخل الناس الجنة تقوي الله وحُسنُ الخلق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله رب العالمين .. والصلاة والسلام علي الرسول الامين سيدنا محمد وعلي آله واصحابة اجمعين ... وبعد ...اليوم إن شاء الله معنا موضوع جميع ورائع ، عن أكثر ما يدخل الجنة ، تقوي الله وحُسن الخلق ...
عن مُعاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال : يا رسول الله أوصني ، قال : ( اتقِ الله حيثما كُنت ) قال : زدني . قال : ( أَتبع السيئة الحسنة تمحها ) قال : زدني . قال : ( خالق النَّاس بخلقِِ حسنِِ ) .. حديث حسن .
الوصية الأولي : اتق الله حيثما كنت .
إنما وصاه أولاً بتقوي الله لأنها وصية الله للاولين والآخرين ، كما قال تعالي :( ولقد وصينا الذين أُوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ) النساء 131
وهذه الوصية مفتاح كل خير ، وأصل كل سعادة فمن اتقي الله جعل الله له من كل همّ فرجا ، ومن كل ضيق مخرجاً ، ورازقة من حيث لا يحتسب ، كما قال تعالي :
( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ، ويرزقة من حيث لا يحتسب ) الطلاق 2 ، 3
ومن اتقي الله يسر الله له أموره وقضي له حوائجه ، كما قال تعالي : ( ومن يتقي الله يجعل لهُ من أمره يُسراً ) الطلاق 4
ومن اتقي الله غفر الله له ذنبه وأعظم أجره ، كما قال تعالي : ( ومن يتق الله يُكفر عنه سيئاته ويُعظم له أجراً ) الطلاق 5
ومن اتقي الله نجاه من النار بعد دخولها ، كما قال تعالي : ( وإن منكم إلا واردها كان علي ربك حتماً مقضياً ، ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً ) مريم 71 ، 72 - ومن اتقي الله أدخله الجنة ، كما قال تعالي : ( تلك الجنة التي نُورِث من عبادنا من كان تقياً ) مريم 63
وأصل التقوي أن تجعل بينك وبين ما تخافه وتحذره شيئاً يقيك منه ، وليس شيء أخوف للعبد من عذاب الله ، فالنار أعظم شيء يخافه العاقل ويحذره ، ولا ينجي من النار إلا تقوي الله ، وهي تتلخص في القيام بالواجبات واجتناب المحرمات ، فمن فعل ما أمره الله بفعله ، وترك ما أمره الله بتركه ، فقد اتقي .
والنبي صل الله عليه وسلم يوصي معاذاً رضي الله عنه فيقول : ( اتقي الله حيثما كنت ) أي : في سرّك وعلانيتك ، في خلوتك واختلاطك ، حيث يراك الناس ، وحيث لا يرونك ، فكفي بالله حسيباً ، وكفي بالله رقبا ، كما قال تعالي : ( واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام إن الله كان عليكم رقيباً ) النساء 1
وقال تعالي : ( أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلي ورُسُلُنا لديهم يكتبون ) الزخرف 80
فالله سميع بصير ، لطيف خبير ، لا تخفي عليه خافية في الأرض ولا في السماء ، ( ما يكون من نجوي ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدني من
ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيءِِ عليم ) المجادلة 7 ، ولذلك قال تعالي : ( اعملوا ما شئتم إنهُ بما تعملون بصير ) فصلت 40 ، اعملوا ما شئتم أنّي شئتم ، في الأرض أم في السماء ، وفي المغارات أو في الكهوف ، في الجبال والوديان أم في أعماق البحار ، فإنه سبحانه مطلّع عليكم ، وناظر إليكم ، وشهيد عليكم ، ولذلك قال : ( وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هُو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقةِِ إلا يعلمها ولا حبةِِ في ظلمات الأرض ولا رطبِِ ولا يابسِِ إلا في كتاب مبين ) الانعام 108 ، وقال سبحانه : ( وما من دابةِِ في الأرض إلا علي الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كُل في كتاب مبين ) هود 6
فدائماً قل : الله مطلع عليّ ، الله شاهد عليّ ، الله ناظر إليّ .
وإذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوتُ ولكن قل عليّ رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما تُخفي عليه يغيب
ولا تكن من الذين : ( يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم ) النساء 108 ، وقال تعالي ( ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يُسرون وما يُعلنون إنه عليم بذات الصدور ) هود 5
وتقوي الله هي الحارس الأمين الذي لا يغفل ولا ينام ، فحين يمتلأ الصدر بها تصون صاحبها عن كل خيانة ، فإذا أئتمن علي شيء أداه ، وإذا وكل إليه عمل أتقنه ، لأن التقيّ يعبد الله كأنه يراه ، ويعلم أن الله معه أينما كان .
الوصية الثانية : وأتبع السيئة الحسنة تمحها
فالتقي مهما حذر فلابد أن يخطيء ، ومهما أحسن فلابد أن يسييء ، ولكنة إذا أخطأ استغفر ، وإذا أساء أحسن ، ولذلك قال تعالي في حق المتقين : ( والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنبوب إلا الله ولم يصروا علي ما فعلوا وهم يعلمون ) أل عمران 135ومن فضل الله علي العالمين أن من عمل حسنةً كتبها الله عشراً إلي سبعمائة ، ومن عمل سيئة كتبت له سيئة واحده ، فمن عمل سيئة ثم أتبعها حسنة ذهبت السيئة لحسنة واحدة وبقيت له التسع إلي ما شاء الله .
فوطّن نفسك يا عبد الله علي هذا ، إذا أسأت فأحسن ، فإنه لابد من الإساءة لغير
المعصومين ، ولذلك قال عمر بن عبد العزيز : أيها الناس ! من ألمّ بذنب فليستغفر الله وليتب ، فإن عاد فليستغفر الله وليتب فإن عاد فليستغفر الله وليتب فإنما هي خطايا مطوّقة في أعناق الرجال ، وإن الهلاك في الإصرار عليها .
ومعني كلامه رضي الله عنه أنه لابد للعبد أن يفعل ما قُدر عليه من الذنوب ، ولكن الله جعل للعبد مخرجاً مما يقع فيه من الذنوب ، بالتوبة والاستغفار ، فإن تاب فقد وقاه الله شر ذنوبه ، وإن أصر علي الذنب هلك .
الوصية الثالثة : وخالق الناس بخُلق حسن
من صفات المتقين الخلق الحسن ، وحسن المعاملة ، قال تعالي : ( وسارعوا إلي مغفرةِِ من ربكم وجنةِِ عرضها السموات والارض أُعدت للمتقين ، الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ) آل عمران 133 ، 124 ، ولكن النبي صل الله عليه وسلم خض الخلق الحسن بالوصية به لشدة الحاجة إليه إذ أن كثيراً من الناس قد يتقي الله فيحسن فيما بينه وبين الله ، ثم يسيء فيما بينه وبين الناس ، ولذلك قيل : يا رسول الله ! إن فلانة تُذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها ، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها فقال : ( هي في النار ) لذلك وصيّ النبي صل الله عليه وسلم بالخلق الحسن بعد الوصية بتقوي الله ، فدل علي أن الإحسان فيما بين العبد وربّه لا تتم به النجاة حتي يُحسن العبد فيما بينه وبين عباد الله ، من اجل ذلك كان النبي صل الله عليه وسلم يحث علي حسن الخلق ، ويبين أنه عنوان كمال الإيمان ، وارتفاع العبد في درجات الجنان ، قال صل الله عليه وسلم ( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلقاً )وقال صل الله عليه وسلم ( إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم )
وقال أيضاً ( إن من أحبكم إليّ ، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا ) حسنوا أخلاقكم ، وعاملوا الناس بالحسني ، ولا تنسوا دائماً هذه الدعوة المباركة : ( اللهم كما حسنت خَلقي حسن خُلُقي )
وإلي اللقاء في حديث آخر ان شاء الله
