📁 آخر الأخبار

أُسيدُ بن حضير ... تلك الملائكة كانت تستمع إليك يا أُسيد...بطل يوم السقيفة

 

أُسيدُ بن حضير ... تلك الملائكة كانت تستمع إليك يا أُسيد...بطل يوم السقيفة

أُسيدُ بن حضير ... تلك الملائكة كانت تستمع إليك يا أُسيد...بطل يوم السقيفة

  أُسيدُ بن حضير ... تلك الملائكة كانت تستمع إليك يا أُسيد...بطل يوم السقيفة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدالله رب العالمين ... والصلاة والسلام علي المبعوث رحمةً للعالمين .. وبعد .. حديثنا اليوم عن من سمعت الملائكة ترتيلة للقران الكريم ، نعم انةُ أُسد بن حضير رضي الله عنه ، ورث المكارم ، كابراً عن كابر ، فأبوه - حُضير الكتائب - كان زعيم الأوس ، وكان واحداً من كبار أشراف العرب في الجاهلية ، ومقاتليهم الأشداء .. وفيه يقول الشاعر :
لَوَ انَّ المنايا ، حِدنَ عن ذي مهابة        لهبن حُضير يوم غلَّق واقما
يطوف به ، حتي  إذا  الليل   جَنَّه        تبوَّأَ منهُ مَقعـــــداً مُتناغمــــا
وورث أُسيد عن أبيه مكانته ، وشجاعته ، وجوده ، فكان قبل أن يسلم ، واحداً من زعماء المدينة وأشراف العرب ، ورماتها الأفذاذ ..
فلما اصطفاه الإسلام ، وهدي إلي صراط العزيز العزيز الحميد ، تناهي عِزّه ، وتسامي شرفُه ، يوم أخذ مكانه ، واحداً من أنصار الله وأنصار رسوه ، ومن السابقين إلي الإسلام العظيم ، ولقد كان إسلامه يوم أسلم سريعاً ، وحاسماً وشريفاً

موقف أُسيد بن حضير مع مصعب بن عمير

قَدم الفتي المكي ، مصعب بن عمير إلي يثرب ، في أول بعثةٍ عرفها تاريخ الإسلام ، فنزل علي أسعد بن زُرارة ، أحد أشرف الخزرج ، واتخذَ من داره مَقَاماً لنفسه ، ومُنطلقاً لبث دعوته إلي الله ، والتبشير بنبيه محمد رسول الله صل الله عليه وسلم ، وأخذَ ابناءُ يثرب يُقبلون علي مجالس الداعية الشاب مصعب بن عمير إقبالاً كبيراً ، وكان يغريهم به عُذُوبَةُ حديثه ، وَوضوح حُجته ، وَرِقّةُ شمائلة ، ووضاءةُ الإيمان التي تُشرق من وَجههِ القسيم الوسيم ،وكان يجذبهم اليه شيء آخر فوق ذلك كُله وهو القرآن الكريم ، الذي كان يتلوه عليهم .

وفي ذات يوم ، خَرج أسعدُ بن زرارة بضيفه الداعية مُصعب بن عُمير ، ليلقي جماعة من بني - عبد الأشهل - وجلسا عند بئرها العذبة في ظلال النخيل ، فاجتمع علي مصعب جماعة قد اسلموا ، وآخرون يُريدون أن يَسلموا ، فانطلق يدعو ويُبشرُ ، والناس إلية منصتون ، وبروعة حديثة مأخُوذون ...
فَجاء من أخبر أُسيد بن الحضير ، وسعد بن مُعاذ - وكانا سيدي الأوس - بأن الداعية المكي قد نزل قريباً من ديارهما ، وأن الذي جَرأهُ علي ذلك أسعد بنُ زرارة
فقال سعد بنُ مُعاذ لأُسيد بن الحضير : لا أبَا لك يا أُسيد ، انطلق إلي هذا الفتي المكي الذي جاءَ إلي بُيُوتِنَا ليُغيري َُضُعفاءنا ، وَيُسفهَ آلهتنا ، وازجُرهُ وَحََّّذَّره من أن يطأ ديارنا بعد اليوم 
أخذَ أُسيد حربتهُ ، ومضي نحو البستان ، فلما رآهُ أسعد بنُ زُرارة مُقبلاً ، قال لمصعب : ويحك يا مصعب ، هذا سيد قومهِ ، وأرجحهم عَقلاً ، وأكملهم كمالاً : أسيد بنُ الحُضير ، فَإن يُسلم تبعهُ في إسلامه خلق كثير ، فاصدق الله فيه ، واحسن التَّأَتَّيَ لهُ ...
وقف أُسيد بنُ الحضير علي الجمع ، والتفت إلي مصعب وصاحبه وقال : ما جاء بكما إلي ديارنا ، وأغراكُما بِضُعَفَائنا ؟! .. اعتزلا هذا الحي إن كانت لكما بنفسيكما حاجة ...
فَالتفت مُصعب إلي أُسيد بوجههِ المُشرق بِنُور الإيمان ، وَخاطبهُ بلهجتهِ الصادقة اللآسِرَقِ وَقَالَ لَهُ : يَا سيد قومة ، هل لك في خير من ذلك ؟ قال : وما هو ؟ قال : تجلس إلينا وتسمع منا ، فإن رضيت ما قُلناهُ قبلتهُ ، وإن لم ترضهُ يحولنا عنكم ولم نَعد إليكم
فقال : أُسد لقد أنصفت ، وَرَكَزَ رُمحهُ في الأرض وجلس 
فأقبل مصعب يذكر له حقيقة الإسلام ، ويقرأ عليه شيئاً من آيات القران ، فانبسطت أساريرُهُ وأشرق وجهه وقال : ما احسن هذا الذي تقول ، وما أجمل ذلك الذي تتلو !! .. كيف تصنعون إذا أردتم الدخول في الإسلام ؟! 
فقال له مصعب : تغتسل وتطهر ثيابك ، وتشهد أن لا اله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتصلي ركعتين
فانضم إلي الاسلام فارس من فرسان العرب المرموقين ، وسيد من سادات الأوس المعدودين ، كان يلقبه قومة بالكامل ، لرجاحة عقلة ، ونباله أصله ، ولانه ملك السيف والقلم ، لانه كان قارئاً كاتباً في مجتمع ندر فيه من يقرأُ ويكتب ، وقد كان إسلامهُ سبباً في إسلام سعد بن مُعاذ ، وكان إسلامهما معاً في أن تُسلم جُموع غَفيره من الأوس ، وأن تُصبح المدينة بعد ذلك مُهاجراً لرسول الله ، وقاعدة لدولة الإسلام العُظمي

موقف أُسيد بن الحضير مع فرسة وهو يقرأ القران

أُولع أُسيد بنُ الحضير بالقرآن - منذ سمعهُ من مصعب بن عمير - ولع المحب بحبيبه ، ةأقبل عليه إقبال الظاميء علي المورد العذب في اليوم القائظ وجعلهُ شُغله الشاغل ، فكان لا يري إلا مجاهداً غازياً في سبيل الله ، أو عاكفاً يتلو كتاب الله 
وقد استعذب أهل السماء تلاوتهُ كما استعذبها أهل الأرض
ففي ليله ، كان الليلُ وادعاً سَاجياً ، وأديمُ السماء رَائقاً صَافياً ، وَعُيون النُّجوم تَرمقُ الأرضَ الهاجعةَ بحنان وعطف ، فتاقت نفس أُسيد بن الحضير لأن يُعطر هذه الأجواء النَّدية بطيوف القران ، فاطلق يتلو بصوته الرَّخيم الحنون : 
" الم ، ذلك الكتاب لا ريب فيه هُدي للمتقين ، الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ... 
فإذا بِهِ يسمع فرسه وقد جالت جولةً كادت تقطع بسببها رباطها ، فَسكت ، فسكنت الفرس وَقَرت 
فعاد يقرأ : " أُولئك علي هُدي من رَّبهم وأولئك هم المفلحون "
فجالت الفرس جولةً أشد من تلك وأقوي
فسكت .. فسكتت .. وكرر ذلك مراراً ، فكان إذا قرأ أضجفلت الفرس وهاجت ، وإذا سكت سكنت وقرت ، فخاف علي ابنه يحي أن تطأه 
وهنا حانت منه التفاته إلي السماء ، فراي غمامةً كالمظلة لم تر العين أروع ولا أبهي منها قط وقد عُلق بها أمثال المصابيح ، فملات الآفاق ضياءً ، وهي تصعد إلي الاعلي حتي غابت عن ناظريه 
فلما أصبح مضي إلي رسول الله صل الله عليه وسلم ، وقص عليه خبر ما راي ، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام : " تلك الملائكة كانت تستمع لك يا أُسيد .. ولو أنك مضيت في قراءتك لراها الناس ولم تستتر منهم "

امنيت أُسيد بن الحضير أن يلمس جسد النبي عليه الصلاة والسلام

وكان أُسيد بن حضير يتمني أن يمس جسد النبي صل الله عليه وسلم ، وأن يُكبَّ عليه لاثماً مُقبلاً ، ففي ذات يوم كان أُسيد يُطرِفُ القوم بِمُلَحِهِ - بطرائفه ونكته -
فَغَمَزَهُ رسول الله صلوات الله عليه في خاصرته بيده ، كَأنهُ يستحسن ما يقولُ
فقال أُسيد : أوجعتني يارسول الله
فقال عليه الصلاة والسلام : " اقتص مني يا اسيد "
فقال أُسيد : إن عليك قميصأً ولم يكن عليَّ قميص حين غمزتني
فرفع رسول الله صل الله عليه وسلم قميصهُ عن جَسَدَه ، فاحتضنهُ أُسيد ، وجعل يُقَبل ما بين إبطه وخاصرته وهو يقول : بأبي أنت وأمي يارسول الله ، إنها لبُغيه كُنت أتمناها منذُ عرفتك ، وقد بلغتها الآن
وقد كان الرسول صلوات الله عليه يبادل أُسيد حُباً بحب ، ويحفظ له سابقته في الاسلام ، وذودهُ عنه يوم أحُدٍ حتي إنه طُعن سبع طعنات مميتات في ذلك اليوم
وكان يَعرف له قدره ومنزلته في قومه ، فإذا شَفَعَ في أحد منهم شفعهُ فيه

أُسيد بن حضير وموقفه مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه

فلما آلت الخلافة إلي عمر بن الخطاب رضي الله عنه قَسم بين المسلمين مالاً ومتاعاً ، فبعث إليَّ بِحُلَّةٍ فاستصغرتها .. فبينما أنا في المسجد إذ مر بي شاب من قُريش عليه حُله سابغة من تلك الحُلل التي أَرسل إليَّ منها عُمر ، وهو يجرها علي الارض جَراً ، فذكرت لمن معي قول رسول الله صل الله عليه وسلم : " إنكم ستلقون أَثَرةً من بعدي " وقلت : صدق رسول الله .. فانطلق رجل إلي عمر وأخبره بما قُلت ، فجاءني مُسراً وأنا أُصلي فقال : صلَّ يا أُسيد ، فلما قضيت صلاتي أقبل علي وقال : ماذا قُلت ؟ 
فَأخبرته بما رأيت وبما قُلت ، فقال : عَفَا الله عنك ، تلك حُلة بعثت بها إلي فُلان ، وهو أنصاري عَقَبيّ بدري أُحدي فَشرها منه هذا الفتي القرشي ولبسها ..
أَفتظن أن هذا الذي أخبر به رسول الله يكون في زماني ؟!
فقال أُسيد : والله يا أمير المؤمنين لقد ظننت أن ذلك لا يكون في زمانك

أُسيد بن حضير يوم السقيفة

إثر وفاة رسول الله صل الله عليه وسلم ، حيث أعلن فريق من الأنصار ، علي رأسهم - سعد بن عبادة - أحقيتهم بالخلافة ، وطال الحوار ، واحتدمت المنافسة ، كان موقف أُسيد ، وهو كما عرفنا زعيم أنصاري كبير ، كان موقفه فعالاً في حسم الموقف ، وكانت كلماته كفلق الصبح في تحديد الاتجاه ..
وقف أُسيد فقال مخاطباً فريق الانصار من قومه : " تعلمون أن رسول الله كان من المهاجرين ... فخليفته إذن ينبغي أن يكون من المهاجرين .. ولقد كنا أنصار رسول الله ... وعلينا اليوم أن نكون أنصار خليفته " وكانت كلماته برداً ، وسلاماً

ولقد عاش أُسيد بن حُضير رضي الله عنه ، عابداً قانتاً ، باذلاً روحه وماله في سبيل الخير ، جاعلاً وصية رسول الله للأنصار نصب عينيه : " اصبروا .. حتي تلقوني علي الحوض " 

وفات أُسيد بن حُضير

وفي شهر شعبان عام عشرين للهجرة مات أُسيد بن حضير ، وأبي أمير المؤمنين عمر إلا أن يحمل جثمان مؤمن عظيم ، وعادوا إلي المدينة وهم يستذكرون مناقبه ويرددون قول الرسول الكريم عنه : " نِعمَ الرجل .. أُسيد بن حُضير
تعليقات