📁 آخر الأخبار

الجزاء الثاني من حياة أول سفير في الإسلام مصعب بن عمير 2

 

الجزاء الثاني من حياة أول سفير في الإسلام مصعب بن عمير 2

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله رب العالمين ... والصلاة والسلام علي المبعوث رحمةً للمعالمين ... سيدنا محمد وعلي آله واصحابة اجمعين ...
الجزاء الثاني من حياة أول سفير في الإسلام مصعب بن عمير 2

الجزاء الثاني من حياة أول سفير في الإسلام مصعب بن عمير 2


اليوم إن شاء الله نستكمل الحديث عن أول سفراء الإسلام مصعب بن عُمير ... ولقد توقفنا في الحلقة الماضية عند قدومة إلي يثرب ... وهناك نهض في ضيافة ( أسعد بن زرارة ) يَغشيان معاً القبائل والبيوت والمجالس ، تالياً علي الناس ما معه من كتاب ربه ، هاتفاً بينهم في رفق عظيم بكلمة الله ( إنما الله إله واحد ) ... ولقد تعرض لبعض المواقف التي كان يمكن أن تودي به وبمن معه ، لولا فطنة عقله وعظمة روحه ... ذات يوم فاجأه وهو يعظ الناس ( أُسيد بن خُضير ) سيد بني عبد الأشهل بالمدينة ، فأجأه شاهراً حربته ، يتوهج غضباً وحنقاً علي هذا الذي جاء يفتن قومه عن دينهم ... ويدعوهم لهجر آلهتهم ، ويحدثهم عن إله واحد لم يعرفوه من قبل ولم يألفوة من قبل ... ! !  إن آلهتهم معهم رابضة في مجاثمها ، إذا احتاجها أحدهم عرف مكانها وولي وجه ساعياً إليها ، فتكشف ضره وتلبي دعاءه ...

 هكذا يتصورون ويتوهمون .. أما إله محمد الذي يدعوهم إليه باسمه هذا السفير الوافد إليهم ، فما أحد يعرف مكانه ، ولا أحد يستطيع أن يراه ... ! ! وما أن رأي المسلمون الذين كانوا يجالسون ( مُصعباً ) مَقدمَ ( أُسيد بن خضير ) متوحشاً غضبه المتلظي ، وثورته المتحفزة ، حتي وَجِلوا ... لكن ( مصعب الخير ) ظل ثابتاً ، وديعاً ، متهللاً ... وقف ( أُسيد ) أمامه مهتاجاً ، وقال يخاطبه هو وأسعد بن زرارة : ( ما جاء بكما إلي حينا ، تُسفهان ضعفاءنا .. ؟ اعتزلانا ، إذا كنتما لا تريدان الخروج من الحياة ) .. ! ! وفي مثل هدوء البحر وقوته ... وفي مثل تهلل ضوء الفجر ووداعته ..  انفجرت أسارير مصعب الخير وتحرك بالحديث الطيب لسانه فقال : ( أولاَ تجلس فتسمع .. ؟ ! فإن رضيت أمرنا قبلته .. وإن كرهته كَفَفَنا عنك ما تكره ) .. الله أكبر .. ما أروعها من بداية سيسعد بها الختام ... ! ! كان ( أُسيد ) رجلاً أريباً عاقلاً .. وها هو ذا يري مصعباً يحتكم معه إلي ضميره ... فيدعوة إلي أن يسمع لا غير .. فإن اقتنع ، تركه لاقتناعه ، وإن لم يقتنع ترك ( مصعب ) حيهم وعشيرتهم ، وتحول إلي حي آخر وعشيرة أخري غير ضارّ ولا مضَارَ ... هنالك أجابه ( أُسيد ) قائلاً : أنصفت ..

 وألقي حربته إلي الأرض وجلس يُصغي ولم يكد مصعب يقرأ القرآن ، ويفسر الدعوة التي جاء بها محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ، حتي أخذت أسارير ( أُسيد ) تبرق وتشرق ... وتتغير مع مواقع الكلم ، وتكتسي بجماله ... ! ! ولم يكد مصعب يفرغ من حديثه حتي هتف به ( أُسيد بن خُضير ) وبمن معه قائلاً : ( ما أحسن هذا القول وأصدقه ! .. كيف يصنع من يريد أن يدخل في هذا الدين ) ؟؟ ... وأجابوه بتهليلة رَجّت الأرض رجاً ، ثم قال له مصعب : ( يطهر ثوبه وبدنه ، ويشهد أن لا إله إلا الله )

فغاب أسيد عنهم غير قليل ثم عاد يقطر الماء الطهور من شعر رأسه ، وواقف يعلن أنه يشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ... وسري الخبر كالضوء ... وجاء ( سعد بن معاذ ) فأصغي لمصعب واقتنع ، وأسلم ، ثم تلاه ( سعد بن عبادة ) .. وتمت بإسلامهم النعمة ، وأقبل أهل المدينة بعضهم علي بعض يتساءلون : إذا كان أسيد بن حضير ، وسعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة قد أسلموا ، ففيم تخلفنا .. ؟ هيا إلي مصعب ، فنؤمن معه ، فإنهم يتحدثون أن الحق يخرج من بين ثناياه ... ! ! 

لقد نجح أول سفراء الرسول نجاحاً منقطع النظير .. نجاحاً هو له أهل ، وبه جدير .. وتمضي الأيام والأعوام ، ويهاجر الرسول وصحبه إلي المدينة ، وتتلمظ قريش بأحقادها .. وتعده عُدّة باطلها ، لتواصل مطاردتها الظالمة لعباد الله الصالحين ... وتقوم 
غزوة بدرِِ ، فيتلقون فيها درساً يفقدهم بقية صوابهم ويسعون إلي الثأر ، وتجيء غزوة أُحد ... ويعبيء المسلمون أنفسهم ، ويقف الرسول صل الله عليه وسلم وسط صفوفهم يتفرس الوجه المؤمنة ليختار من بينها من يحمل الراية .. ويدعو مصعبَ الخير ، فيتقدم ويحمل اللواء . وتَشبُّ المعركة الرهيبة ، ويحتدم القتال ، ويخالف الرماة أمر الرسول عليه السلام ، ويغادرون مواقعهم في أعل الجبل بعد أن رأوا المشركين ينسجبون منهزمين ، لكن عملهم هذا ، سرعان ما يحول نصر المسلمين إلي هزيمة ...

ويفاجأُ المسلمون بفرسان قريش تغاشهم من أعلي الجبل ، وتُعمل فيهم علي حين غرة ، السيوف الظامئة المجنونة ... وحين رأوا الفوضي والذعر يمزقان صفوف المسلمين ، ركزوا علي رسول الله صل الله عليه وسلم لينالوه ... وأدرك ( مصعب بن عمير ) الخطر الغادر ، فرفع اللواء عالياً ، وأطلق تكبيرة كالزئير ، ومضي يصول ويجول ويتواثب ... وكل همه أن يلفت نظر الأعداء إليه ويشغلهم عن الرسول صل الله عليه وسلم بنفسه ، وجَرد من ذاته جيشاً بأسره ... أجل ، ذهب مصعب يقاتل وحده كأنه جيش لَجِب غزير .. يد تحمل الراية في تقديس ... ويد تضرب بالسيف في عنفوان ... ولكن الأعداء يتكاثرون عليه ، يريدون أن يعبروا فوق جثته إلي حيث يلقون الرسول ... لندع شاهد عيان يصف لنا مشهد الختام في حياة مصعب العظيم ... ! !


حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أُحد ، فلما جال المسلمون ثبت به مصعب ، فأقبل ابن قميئة وهو فارس ، فضربه علي يده اليمني فقطعها ، ومصعب يقول : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ... وأخذ اللواء بيده اليسري وحنا عليه ، فضرب يده اليسري فقطعها ، فحنا علي اللواء وضمه بعضديه إلي صدره وهو يقول : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرُّسُل ...
ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذهُ وانّدق الرمح ، ووقع مصعب ، وسقط  اللواء .. وقع مصعب .. وسقط اللواء ... ! ! 

وقع حِلية الشهادة ، وكوكب الشهداء ... ! ! وقع بعد أن خاض في استبسال عظيم معركة الفداء والإيمان ... كان يظن أنه إذا سقط ، فسيصبح طريق القتلة إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم خالياً من المدافعين والحماة ... ولكنة كان يعزي نفسه في رسول الله من فرط حبه له وخوفه عليه حين مضي يقول مع كل ضربة سيف تقتلع منه ذراعاً : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) هذه الآية التي سينزل الوحي فيما بعد يرددها ، ويكملها ، ويجعلها ، قرآناً يُتلي ... وبعد انتهاء المعركة المريرة ، وُجد جثمان الشهيد الرشيد راقداً ، وقد أخفي وجهه في تراب الأرض المضمخ بدمائه الزكية ... لكأنما خاف أن يبصر وهو جثة هامدة رسول الله يصيبه السوء ، فأخفي وجهه حتي لا يري هذا الذي يحاذره ويخشاه ... ! ! أو لكأنه خجلان إذ سقط شهيداً قبل أن يطمئن علي نجاة رسول الله ، وقبل أن يؤدي إلي النهاية واجب حمايته والدفاع عنه ... ! ! لك الله يا مصعب ...
يا من ذكرك عطر للحياة ... ! ! 

وجاء الرسول وأصحابه يتفقدون أرض المعركة ويودعون شهداءها ... وعند جثمان مصعب ، سالت دموع وفية غزيرة ...
يقول خباب بن الأرت : ( هاجونا مع رسول الله صل الله عليه وسلم في سبيل الله ، نبتغي وجه الله ،فوجب أجرنا علي الله ...
فمنا من مضي ، ولم يأُكُل من أجره في دنياه شيئاً - منهم مصعب بن عمير - قُتل يوم أُحد ... فلم يُجد له شيء يكفن فيه إلا نَمرة 
فكنا إذا وضعناها علي رأسه تعرت رجلاه ، وإذا وضعناها علي رجليه برزت رأسه ، فقال لنا رسول الله : ( اجعلوها مما يلي رأسه ، واجعلوا علي رجليه من نبات الإزخر ) ... وعلي الرغم من الألم العميق الذي سببه رزء الرسول في عمه حمزة ، وتمثيل المشركين بجثمانه تمثيلاً أفاض دموع الرسول عليه السلام ... وعلي الرغم من امتلاء أرض المعركة بجثث أصحابه وأصدقائه الذين كان كل واحد منهم يمثل لديه عالماً من الصدق والطهر والنور .. علي الرغم من كل هذا . فقد وقف علي جثمان أول سفرائه ، يودعه وينعاه ... أجل .. وقف الرسول صلي الله عليه وسلم عند مصعب بن عمير وقال وعيناه تلفانه بضيائهما وحنانهما ووفائهما : ( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) ثم ألقي في أسي نظرة علي بُردته التي كُفن فيها وقال : ( لقد  
رأيتك بمكة ، وما بها أرق حُلةً ، ولا أحسنُ لِمةً منك ، ثم هأنتذا شَعِثُ الرأس في بُردة ) .. ؟ ! !

وهتف الرسول عليه السلام وقد وسعت نظراته الحانية أرض المعركة بكل من عليها من رفاق مصعب وقال : ( إن رسول الله يشهد أنكم الشهداء عند الله ، يوم القيامة ) ثم أقبل علي أصحابه الأحياء حوله وقال : ( أيها الناس زوروهم ، وأتوهم ، وسلموا عليهم ، فوالذي نفسي بيده ، لا يُسلم عليهم مسلم إلي يوم القيامه ، إلا ردوا عليه السلام ) السلام عليك يا مصعب 
السلام عليكم يا اهل احد ...

تعليقات